ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
124
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فإن قيل : لم قال رضي اللّه عنه الحمد للّه ولم يقل باللّه ؟ كما يقول العارف ، قلنا : لشرف مقام اللام فإن الحمد له أعلى من الحمد باللّه ؛ لأن الحمد باللّه أبقى الحامد وهو مقام قرب النوافل ، والحمد للّه أفنى الحامد وهو من مقام قرب الفرائض ، فإذا قال : الحمد للّه : أي لا حامد للّه إلا هو فأجري ألا يكون محمودا سواه . وقال الجاهل : الحمد للّه : أي لا محمود إلا اللّه فاشتركا في اللفظ ، وافترقا في المعنى فالعالم أفنى الحامدين والمحمودين من الخلق ، والمحجوب أفنى المحمود من الخلق فقط . وأما العارفون هم البائيون فلا يتمكن لهم أن يقولوا الحمد للّه إلا مثل العامة ، وإنما مقامهم الحمد باللّه ؛ لبقاء نفوسهم عندهم وغاية الأمرين ونهايته أنها قائمة باللّه وهم أهل مشهد لا حول ولا قوة إلا باللّه ، فلمّا كان له رضي اللّه عنه رتبة العلم فقال : الحمد للّه وما قال : الحمد باللّه فإن دون رتبته . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » نقلا عن أبي العباس العرّيف أنه قال : العلماء لي والعارفون بي يشير إلى ما ذكرناه . فأثبت المقام العالي للام ؛ لأن اللام لا تبقي ولا تذر ، فالعلماء هم اللاميون ، والعرفاء هم البائيون ، فافهم . ( منزل الحكم ) ، مخففة من باب الأفعال يشير رضي اللّه عنه إلى مرتبة الإنزال الإجمالي إلى حضرة النفس الكلّي التي عبّر عنها بلسان الشرع ، أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ من المحو والإثبات . كما أشار إلى هذا الإنزال الإجمالي قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] وهو إنزال إجمالي إلى النفس المحمّدية المعبّر عنها بلسان العموم السماء الدنيا . قال بعض المفسّرين : إنه تعالى أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر والشرف .